عبد الرحمن عبد القادر: من لحظات الانكسار الى قمم الإنجاز

  • في عالم الرياضة البارالمبية، حيث تُكتب قصص النجاح بحروفٍ من إرادة لا تلين، وتُحفر أسماء الأبطال في ذاكرة الشعوب بإصرارٍ يتجاوز المستحيل، يبرز اسم البطل القطري عبد الرحمن عبد القادر كأحد أعظم رموز العزيمة والإلهام. لم تكن رحلته الرياضية مجرد سعي وراء الميداليات، بل كانت ملحمة إنسانية خاضها بشغفٍ وإصرار، متحدياً كل العوائق الجسدية والظروف النفسية ليحمل علم بلاده عالياً في المحافل الدولية. من الميدالية الفضية في ريو 2016 إلى البرونزية في طوكيو 2020، مرّ عبد الرحمن بمحطاتٍ مفصلية لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالتحديات التي صقلته وأظهرت معدنه الحقيقي. بدأ مسيرته في ظروف لم تكن مثالية، ومع ذلك، تمكن بإرادة لا تعرف التراجع من كتابة اسمه في سجل الخلود الرياضي، مُلهماً كل من يطمح لتجاوز حدود الممكن. عبد الرحمن ليس مجرد رياضي ناجح، بل هو قدوةٌ حقيقية لكل من يظن أن التحديات نهاية الطريق، ودليل حيّ على أن الإصرار يمكنه أن يصنع المعجزات. في هذا الحوار الخاص مع مجلة سندكم يفتح لنا البطل عبد الرحمن عبد القادر قلبه ليحكي تفاصيل رحلته، من البدايات الصعبة إلى الإنجازات اللامعة، مروراً بلحظات الانكسار والانتصار، وصولاً إلى طموحاته المستقبلية التي لا تزال متّقدة رغم كل شيء.

    البداية والدافع
    كيف كانت بدايتك في عالم الرياضة البارالمبية؟
    في البداية، كان أفراد قبيلتي وأصدقائي هم الداعم الأول لي، إذ شجعوني بحرارة وقالوا لي: “استمر ولا تتوقف”. بدأت بخوض التدريبات اليومية بكل حماس، ورغم أن الخيارات في مجال ألعاب القوى كانت محدودة، خصوصًا في الرمي (رمي الرمح والقرص والجلة)، إلا أنني تمسكت بحلمي. مضيت قدماً، واستمريت في خوض التجربة، ومع كل مرحلة كنت أكتشف شغفي بلعبة جديدة وأتخصص فيها أكثر فأكثر. الرياضة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتي، وصنعت لي مساراً جميلاً رغم كل التحديات.

    رحلة مليئة بالتحديات
    ما التحديات التي واجهتك في بداية مسيرتك الرياضية؟
    كل رياضي يواجه في بداياته العديد من التحديات والصعوبات التي تختلف حسب الإمكانيات والقدرات الشخصية. في منطقة الخليج، يجب على الرياضي أن يكسر أرقامه الشخصية باستمرار ليبقى في المنافسة. كنت أضع لنفسي هدفاً جديداً كل عام: العام الأول كان هدفي المشاركة في بطولة آسيوية، وبعد تحقيقه، تطورت طموحاتي وصار هدفي الفوز بميدالية في تلك البطولات. النجاح يفتح شهية الإنسان للمزيد، وكلما حققت إنجازاً، تطلعت إلى ما هو أعلى وأسمى.

    حققت أول ميدالية في مسيرتك عام 2014 في الألعاب الآسيوية بكوريا الجنوبية، كيف ساهم هذا الإنجاز في تشكيل مسارك الرياضي؟
    تبقى الألعاب الآسيوية لعام 2014 ذكرى لا تُنسى في حياتي الرياضية. بعد ست سنوات من العمل المتواصل والتمارين اليومية المضنية، كانت تلك أول ثمرة حقيقية لتعب السنين. حققت إنجازاً أعاد لي طاقة مضاعفة، وأعطاني دافعاً للاستمرار ومواصلة العمل بجهد أكبر. شعرت حينها أنني قادر على تحقيق المزيد، وأن الطريق أمامي أصبح ممهداً لتحقيق أحلام أكبر وأهداف أسمى.

    قرار الاعتزال وتجاوزه

    ذكرت أنك فكرت في الاعتزال عام 2015 بعد بطولة العالم، ما الذي دفعك للاستمرار وتجاوز هذه المرحلة الصعبة؟
    كانت سنة 2015 من أصعب وأهم السنوات في مسيرتي الرياضية. تمكنت خلالها من تحقيق رقم عالمي جديد في بطولة الخليج، وبعدها خضت بطولة العالم في الدوحة، التي كانت أول بطولة عالمية تقام في الشرق الأوسط. رغم أنني كنت أطمح لتحقيق ميدالية، إلا أنني خسرت الميدالية البرونزية في اللحظة الأخيرة لصالح لاعب كولومبي، مما شكل لي صدمة كبيرة ودفعني للتفكير بجدية في الاعتزال. لكن عزيمتي غلبت إحباطي، فقررت أن أضاعف جهدي، وأعطي أكثر مما لدي. وبفضل الله، حققت الفضية في دورة الألعاب البارالمبية في ريو، وكانت أول ميدالية أولمبية لقطر، وشعرت أن هذا الإنجاز فخر لوطني ولن أنساه ما حييت.

    هل ما زلت تفكر في الاعتزال؟
    الاعتزال فكرة تراود كل رياضي مع مرور السنوات، خاصة عندما يواجه الإصابات والضغوطات النفسية والجسدية. في العام الماضي، واجهت مشاكل مزمنة في الكتف، واضطررت للعلاج والتمرين في فترتين صباحية ومسائية متواصلتين. عدم مشاركتي في دورة الألعاب البارالمبية كان قراراً مؤلماً، ولكنه جزء من مشوار التحدي. الإصرار والقدرة على تحمل الألم هو ما يجعلنا نستمر. من الطبيعي أن تعيش لحظات ضعف، لكن المهم أن تتغلب عليها وتواصل الطريق نحو تحقيق أحلامك.

    الدعم والطموح
    ما تأثير دعم اللجنة الأولمبية القطرية ورئيسها الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني؟
    منذ خطوتي الأولى في المجال الرياضي، وأنا أحظى بدعم كريم ومشجع من اللجنة الأولمبية القطرية، بقيادة سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني. هذا الدعم لم يكن مجرد كلمات تشجيعية بل كان التزاماً حقيقياً تجسد في رعاية مستمرة واهتمام شخصي بكل تفاصيل مسيرتنا الرياضية. في كل مناسبة رياضية نحقق فيها ميدالية أو إنجازاً، كان الشيخ جوعان يتواصل معنا، يسأل عن أحوالنا، يهنئنا ويشجعنا على تقديم المزيد. هذا الاهتمام المباشر منحنا شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه تمثيل وطننا بصورة مشرّفة، وزرع فينا إحساساً بأننا لا نحمل طموحاتنا وحدنا بل نحمل آمال وطن بأكمله. شعرت أن هناك من يقدّر جهدنا ويؤمن بقدراتنا، مما جعلني أعاهد نفسي على مضاعفة جهدي وتقديم أفضل ما أملك في كل منافسة أخوضها

    بعد برونزية طوكيو التي حققتها في ظروف صعبة، كيف كانت مسيرتك من بعدها؟
    كانت تلك ثاني ميدالية بارالمبية أحققها في مسيرتي، وإنجازاً عظيماً بكل المقاييس. لكن الفرحة لم تتوقف عند حدود الفوز، بل تضاعفت عندما شرفني حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى بتكريمي ومنحي وسام الوجبة. هذا التكريم لم يكن شرفاً شخصياً فحسب، بل كان رسالة فخر لكل رياضي قطري. منحني هذا التقدير دفعة هائلة من الإصرار على مواصلة العطاء لعشر سنوات قادمة على الأقل، وأنا اليوم أعمل بكل طاقتي لتحقيق هذا الوعد الذي قطعته على نفسي.

    نظرة نحو المستقبل
    ما أهدافك مع اقتراب دورة لوس أنجلوس 2028؟

    عندما أنظر إلى دورة الألعاب البارالمبية المقبلة في لوس أنجلوس 2028، أراها بمثابة المحطة الختامية لمسيرتي الرياضية الطويلة. بحلول ذلك الوقت، سأكون قد قاربت الأربعين من عمري، وهو العمر الذي يصل فيه الرياضي في ألعاب الرمي إلى ذروة نضجه الفني والخبرة، أو يبدأ بالتراجع تدريجياً. أطمح بقوة إلى تحقيق ميدالية جديدة في هذه الدورة، لتكون رابع ميدالية أولمبية أضيفها إلى سجل إنجازاتي. هذا الهدف ليس سهلاً، لكنه محفّز عظيم يجعلني أواصل العمل الجاد بلا كلل. أريد أن أنهي رحلتي الرياضية بطريقة مشرفة، تليق بكل سنوات التعب والجهد الذي بذلته، وتليق بالوطن الذي أمثله.

    ما خططك وتحضيراتك القادمة؟
    كل عام أخطط للمشاركة في بطولة جديدة وأعتبرها خطوة إضافية نحو هدفي الأكبر. هذا العام، تنتظرنا بطولة العالم في برلين خلال شهر أكتوبر، تليها الألعاب الآسيوية في اليابان العام المقبل. ثم في عام 2029 بإذن الله، ستُقام الألعاب الآسيوية في الدوحة، وأتطلع لأن تكون تلك البطولة آخر محطاتي الرياضية الرسمية. أتمنى أن أنهي مشواري بإنجاز كبير يليق بالسنوات الطويلة من الكفاح والتعب، وكل سنة أعمل على تحسين مستواي أكثر فأكثر حتى أصل إلى قمة الجاهزية في النهاية.

    رسالة للرياضيين والجمهور

    إلى أي مدى تعتقد أن تجربتك يمكن أن تكون مصدر إلهام للرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة في قطر؟
    بالتأكيد أؤمن أن قصتي قادرة على أن تكون مصدر إلهام للكثيرين، خصوصاً لمن يظنون أن الطريق صعب أو مستحيل. حين يرون أن عبد الرحمن عبد القادر استطاع أن يحقق الإنجازات، سيؤمنون بأنهم أيضاً قادرون على الوصول. واجب الرياضي أن يكون قدوة، مثلما كنت أستلهم العزيمة من أبطال سبقوني مثل ناصر السحوتي وعلي، اللذين حققا إنجازات آسيوية وعالمية. واليوم، أحاول أن أكون داعماً لزملائي الأصغر، وأن أنقل لهم روح الحماس كما فعل من سبقني.

    ما النصيحة التي تقدمها للشباب من ذوي الإعاقة الذين يسعون لتحقيق إنجازات رياضية؟
    أنصح كل شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة بالانضمام إلى الاتحاد الرياضي دون تردد. البداية لا تكون بالتفكير في البطولات، بل بالتركيز على الصحة النفسية والجسدية أولاً. الرياضة تساهم بشكل كبير في تحسين نفسية اللاعبين، وتغير طريقة تعاملهم مع أنفسهم والآخرين. كثيرون ممن التحقوا بالاتحاد كانوا يقضون معظم وقتهم في المنزل، لكن بعد الانضمام، تبدل حالهم بشكل إيجابي لا يصدق.

    ما شعورك بعدم المشاركة في دورة باريس 2024؟
    كنت أستعد لدورة باريس 2024 بكل حماس، رغم الإصابات المتكررة التي واجهتني، ووضعت خططاً تدريبية دقيقة للتغلب على العقبات الجسدية. ولكن، جاءت سياسة “الكوتا” الخاصة بتحديد عدد المشاركين لكل دولة لتقلب المعادلة، فقد حددوا لنا مقعدين فقط للاعب ولاعبة، ولم أحصل على بطاقة التأهل هذه المرة. وقع الاختيار على زميلي في الفريق، وهو أمر تقبّلته بروح رياضية رغم أنني شعرت بمرارة الصدمة، إذ كنت قد بذلت مجهوداً كبيراً وكان لدي طموحات عريضة للمنافسة. مع ذلك، علمتني الرياضة أن التحديات تصنع الأبطال الحقيقيين، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته بداية لفرص جديدة قادمة بإذن الله.

    تجربة الصيام في البطولات
    ما رأيك في التحدي بين الصيام والأداء الرياضي؟
    خلال دورة ريو، كانت بطولتي تقام صباحاً في حدود الساعة التاسعة، مما يعني أنني كنت أستيقظ منذ الفجر وأتجهز للمنافسة. لم أشعر أن الصيام أثر سلباً على أدائي، بل بالعكس، شعرت بطاقة إيجابية وحماس إضافي. الصيام لم يكن عبئاً عليّ، بل كان دافعاً روحياً كبيراً. بالطبع، السفر يُجيز الفطر حسب الرخص الشرعية، لكن القرار يبقى وفق قدرة كل رياضي على التحمل.

     

    خاتمة: دروس من الرحلة
    ما الذي تعلمته عن نفسك خلال مسيرتك الرياضية؟

    خلال سنوات طويلة من الجهد والتدريب، أدركت أن طريق النجاح ليس سهلاً أبداً. النجاح يحتاج إلى صبر طويل وعزيمة لا تلين، وقد تعلمت أن الإنسان قد يمر بلحظات فشل وإحباط، لكن الأهم هو أن ينهض من كبوته أقوى مما كان. الوصول إلى القمة صعب، ولكن المحافظة عليها أصعب بما لا يقاس. اكتشفت أن سر النجاح يكمن في الإصرار على العودة بعد كل انتكاسة، وفي الالتزام الدائم بالتطور والتحسين. هذه الدروس لم تفدني فقط في الرياضة، بل في حياتي كلها.

    ما الرسالة التي تود توجيهها للجمهور القطري والداعمين لمسيرتك الرياضية؟
    رسالتي إلى كل شاب وشابة قطرية أن يجعلوا الرياضة جزءاً أساسياً من حياتهم، ليس من أجل البطولات والميداليات فقط، بل من أجل صحتهم ونفسياتهم وحياتهم اليومية. لاحظنا أن اليوم الرياضي للدولة له أثر عظيم في زيادة الوعي، حيث نشهد إقبالاً كبيراً من الرياضيين الجدد بعده. الرياضة وسيلة لتغيير نمط الحياة نحو الأفضل، ومن خلالها نصنع جيلاً صحياً قادراً على العطاء في جميع مجالات الحياة

    كلمة أخيرة لقراء مجلة سندكم؟
    رسالتي لكل قراء المجلة: عندما ترون شخصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، ادعوه للانضمام إلى الاتحاد الرياضي. هناك مدربون محترفون، وطاقم طبي متكامل، وإمكانات متوفرة لخدمة الرياضيين. كل الدعم متاح، ويبقى فقط التشجيع، فكونوا أنتم الدافع لهم لخوض هذه التجربة الرائعة.