في اليوم الخامس من مايو من عام 2002، وُلد غانم محمد المفتاح في مستشفى حمد بالعاصمة القطرية، قبل أوانه في الشهر السادس من الحمل، وهو يحمل في جسده الصغير حالة طبية نادرة تُعرف بمتلازمة التراجع الذيلي. لم يكن من السهل على أسرته تقبل الأمر في البداية، لا سيما بعد أن نصحها أحد الأطباء بإنهاء الحمل، لكنها قررت المضي في هذا الطريق بشجاعة. قال والده لوالدته حينها: “أنا رجله اليمين، وأنتِ رجله اليسار”، تعبيرًا عن التزامهم المشترك بمساندته. وسط هذه الظروف، وفّرت العائلة لغانم بيئة مليئة بالحب والدعم، مؤمنة بأن كل روح تأتي إلى الحياة تحمل رسالة فريدة، وغانم لم يكن استثناءً.
منذ نعومة أظافره، أظهر غانم عزيمة لا تلين. تعلم استخدام يديه للتنقل، وشارك في العديد من الأنشطة الرياضية والاجتماعية، متحديًا بذلك القيود التي فرضتها عليه حالته الصحية. لم تكن نشأته سهلة، فقد تطلبت الكثير من الجهد والتحدي، لكنه استطاع أن يحول إعاقته إلى مصدر إلهام، ليس فقط لنفسه، بل لكل من حوله.
واجه غانم تحديات اجتماعية أيضًا. أطلق عليه بعض الأطفال مسميات جارحة مثل “الحية” و”الضفدع” و”السمكة” عندما حاول اللعب معهم. كان يعود إلى والدته شاكياً، فيطلب منها أن تُعاتبهم، لكنها قالت له بحكمة: “تغيير العالم لأجلك أمر مستحيل، لكن يمكنك أن تبدأ بالكلمة الطيبة.” علمته أن يثق في نفسه ويفتخر باختلافه، وأن يجعل من اختلافه سببًا في التغيير لا في الانكسار. ومن هنا، بادرت والدته إلى طباعة ملصقات توعوية وتوزيعها لمحاربة الخجل الاجتماعي تجاه الإعاقة، لتكون خطوة أولى في بناء وعي مجتمعي أكثر تقبلاً واحترامًا لذوي الإعاقة.
في سن السابعة، بدأت رحلة غانم المفتاح مع الرياضة، حيث مارس السباحة بشغف وتمكّن من إتقانها رغم محدودية الحركة في أطرافه السفلية. ولم يتوقف عند ذلك، بل خاض تحديات رياضية متعددة مثل التزحلق على الجليد، كرة السلة على الكرسي المتحرك، السكيت بوردنق، ركوب الخيل، قيادة الدراجات، وحصل على رخصة غوص وغطس لمسافة 20 مترًا، في إنجاز استثنائي تطلب تدريبات شاقة وأجهزة خاصة وصبرًا متواصلاً. لم يكن الوصول إلى الاحتراف في هذه الرياضات سهلاً، بل كان مليئًا بالمحاولات والتجارب والفشل الذي قاده في النهاية إلى التميز.
كان غانم يزور ذوي الإعاقة، يقدم لهم الهدايا والكلمات التحفيزية، وفي إحدى زياراته، استنكرت إحدى الأمهات هذا الفعل قائلة: كيف يقدم ذوو الإعاقة المساعدة؟ لكن غانم أثبت أن العطاء لا يتطلب جسدًا كاملاً، بل قلبًا ممتلئًا بالحب. كما يؤمن بأن: “بالإرادة والعزيمة نحقق المستحيل، وبالعلم والعمل نرتقي ونتطور”، وكان حريصًا على نشر الوعي حول الحرج المجتمعي من ذوي الإعاقة، مؤكدًا أن هذه الفئة ليست عاجزة، بل قادرة على العطاء والمساهمة الفاعلة في تطوير المجتمع.
الى جانب إنجازاته الرياضية والإنسانية، خاض غانم المفتاح تجارب متعددة عززت حضوره كشخصية مؤثرة في المجتمع. فقد أسس شركة الآيس كريم الخاصة به، والتي أطلق عليها اسم “غريسة”، وبدأ بإلقاء محاضراته في الجامعات والمؤتمرات والمدارس، ناشرًا رسائل الإيجابية والأمل بين الشباب.
وسرعان ما لمع اسمه كأصغر متحدث رسمي في الأمم المتحدة، ومثال يُحتذى به في مجال العمل الإنساني، حيث ارتبط بالعديد من المبادرات داخل قطر وخارجها، وتقلّد مهام سفير النوايا الحسنة، فضلًا عن أدواره الفخرية في مؤسسات رسمية.
وفي حدث استثنائي عام 2022، تصدر المشهد العالمي بمشاركته في افتتاح كأس العالم FIFA قطر، حيث وقف أمام الملايين، وألقى كلمة مؤثرة جسدت القيم الإنسانية، متبوعة بتلاوته لآيات من القرآن الكريم، في لحظة رمزية حمَلت رسالة السلام والتسامح والإرادة إلى العالم أجمع.
وبفضل هذه الروح المتقدة، شارك غانم لاحقًا في العديد من الفعاليات المحلية والدولية، وأصبح من أبرز الأصوات الشبابية التي تمثّل الأشخاص ذوي الإعاقة على مستوى العالم. في سبتمبر 2024، وقف أمام رؤساء ووفود الدول في قمة المستقبل بالأمم المتحدة، ملقيًا كلمة مؤثرة دعا فيها إلى احتضان الاختلاف، ووقف العنف ضد الأطفال في مناطق النزاع، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعاقة، بل في نظرة المجتمع لها.
اليوم، يعد غانم المفتاح من أبرز الشخصيات الشابة في قطر، ومن أكثرهم تأثيرًا في قضايا الهمم والإيجابية. عُيّن سفيرًا للنوايا الحسنة لعدد من المبادرات، ويشارك بانتظام في المحاضرات والمؤتمرات داخل الدولة وخارجها، ممثلًا لبلاده ولصوت ذوي الإعاقة. يقول غانم: “لا تطلب من الله أن يخفف أحمالك، بل اطلب منه أن يقوي ظهرك لحملها.” وهي عبارة أصبحت مرادفة لحضوره، ومرآة لفلسفة حياته.
ويختصر غانم المفتاح رؤيته للحياة بهذه العبار: “أدعو الله أن أكون محفزًا لكل بائس، ملهمًا لكل مغامر، مساعدًا لأي محتاج، محبًا لكل إنسان، وأن أكون قادرًا على نشر الأمل والمحبة والتفاؤل والإيجابية والسلام، وإن شاء الله أكون سفيرًا لبلادي قطر“.
