ظاهرة التنمر المدرسي على الطلبة من ذوي الإعاقة: من المسؤول عنها وكيف نعالجها؟
في إحدى المدارس الإعدادية في مدينة الدوحة، ” جلست “بينة”، طالبة من ذوي الاعاقة لديها حالة خفيفة من التوحد في الثالثة عشر من عمرها في الصف، تنتظر الفسحة بعد أن انتهت الثلاث حصص، ترى الدقائق بانتباه شديد فلا تحبذ أن يتغير روتينها أو تتأخر في أي شيء، لم تكن تشعر بالوحدة أو حتى تلاحظ بأنها لوحدها، على الرغم من نظرات الطالبات من حولها، واستهزاء بعضهن المستمر، كانت في عالمها الخاص حتى قامت طالبة بحبسها في الحمام ورمي مناديل مبللة من فوق عليها، فانهارت بينة صارخة وباكية تطلب النجدة ومناجاة أمها..
ما تتعرض له بينة تنمر متعدد وربما لولا هذه الحادثة، لم تعلم والدتها بما كانت تتعرض له ابنتها، فقد أًصبح التنمر على ذوي الاعاقة في تزايد، وأصبح الطلبة لا يخشون أن يخفوا البشاعة التي بداخلهم اتجاه فئة ذوي الإعاقة، فحالة بينة هي واحدة من آلاف الحالات التي نراها في المدارس، فمن المسؤول عن تفشي هذه الظاهرة؟ هل هي المدارس، أم الأسر؟ أم المجتمع ككل؟ وما هي الحلول؟
حالة بينة هذه دفعتنا لإجراء تحقيق يسلط الضوء على ما يمكن تسميته بالجريمة الاجتماعية التي يتجاهلها الكثيرون تحت مسمى “الدعابة الثقيلة”، وهي في الحقيقة تنمر على فئة من المجتمع، يحتاج أفرادها لضمير المجتمع ليساعدهم في التقليل من معانتهم، ومن الجراح النفسية والآلام التي لا يشفى منها من يكون ضحيتها بسهولة. وتؤكد إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن أربعة من كل خمسة أطفال من ذوي الإعاقة في المنطقة العربية يتعرضون لشكل من أشكال التنمر أثناء مسيرتهم الدراسية، مما يؤثر سلباً على تحصيلهم الأكاديمي وصحتهم النفسية. كما يؤكد خبراء التربية الخاصة بأن “التنمر يحطم المسار الطويل الذي يسلكه الطالب ذو الإعاقة للتقدم، وقد تؤدي كلمة ساخرة واحدة إلى انهيار شهور عديدة من الجهد والعمل النفسي والاجتماعي على الطالب ذو الإعاقة.
أولياء الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة يتهمون أسر المتنمرين وقلة المراقبة في المدارس.
يوجه أولياء أمور الطلبة ذوي الإعاقة أصابع الاتهام إلى أسر الطلاب المتنمرون وإدارات المدارس بالتقصير. يقول والدا “بينة”، وغيرهم من أولياء الآخرين: “جاوز الصبر حده” فهم يشتكون من غياب الصرامة والرقابة الكافية داخل المدارس ومن الإجراءات العقابية الضعيفة ضد الطلاب المتنمرين. تروي إحدى الأمهات أن ابنتها المصابة بمتلازمة داون تُضرب بشكل دائم من قبل طالبة معها في الصف. ويضيف أب أخر ابنته من ذوي الإعاقة البصرية تعاني من العزل التام خلال العام الدراسي بأكمله.
والدا بينة وعدة أولياء أمور آخرين لطلبة من ذوي الإعاقة أبدوا امتعاضا شديدا مما يعيشه أبناءهم قائلين “إن الكيل قد طفح”، ومعبرين عن قلقهم وانزعاجهم اتجاه هذا السلوكيات الطائشة وغير المسؤوليات التي كثرت في الآونة الأخيرة اتجاه بناتهم دون تدخل من طرف المسؤولين في المدارس لزيادة المراقبة والتوعية. وتقول الاخصائية جميلة الهادي: “على الرغم من سعينا لمساعدة أبنائهم حتى نستطيع دمجهم مع الطلاب الآخرين مع صعوبة هذه الخطوة، إلا أن هؤلاء المتنمرين يفسدون كل تلك الشجاعة والإصرار، وكل الآمال تتلاشى التي بنوها أبناؤنا من ذوي الإعاقة بعد أن يتم السخرية من المتنمرين منهم سواء باللفظ أو بالتقليد الساخر، أو حتى بالكلمات الجارحة، وهي سلوكيات لا تتوقف عند مستوى التلفظ بها فقط، بل يصل لحد الدفع بهم ورميهم بالقاذورات، أو يتجاهلونهم وعزلهم حينما يكون هناك نشاطاً جماعياً.
الإدارات المدرسية: الأسر تتحمل جزء من المسؤولية ولا يمكننا التحكم في نفسيات كل الطلبة.
في الجهة المقابلة يضع المسؤولون في المؤسسات المدرسية اللوم على بعض أولياء أمور الطلبة المتنمرين الذين لا يبالون بالاتصالات والشكاوى ولا يعطون أهمية لأفعال أبنائهم ولا لضرورة استيعاب مدى سوء تلك الأفعال وتأثيرها. تؤكد مديرة المدرسة، سامية الغانم، أنها بدأت بتطبيق إجراءات صارمة تشمل الفصل المؤقت، توقيع تعهدات خطية، وصولاً إلى الطرد النهائي. لكنها تؤكد أيضاً: “اليد الواحدة لا تصفق”، مطالبةً بضرورة تعاون الأسر معهم في تحسين وتعليم الطلبة حسن الخلق واحترام جميع فئات المجتمع..
من جهتها تؤكد مديرة المدرسة سامية الغانم على ضرورة النظر في هذا الموضوع باهتمام كاف بعد تكرار الشكاوى من أولياء أمور فئة ذوي الإعاقة وبعد الحادثة الأخيرة للطالبة بينة، متوعدة بأنها ستتخذ إجراءات صارمة اتجاه هذه التصرفات والحد من التنمر بكافة أشكاله، وبعواقب وخيمة ” كالفصل المؤقت والتعهدات المكتوبة والطرد ” حتى لا يتسنى للطالب ظن بإنه أمر سهل ولا توجد عواقب لأفعالهم المسيئة. لكنها تتهم في نفس الوقت قلة شعور أولياء الأمور بخطورة هذه المسألة وقلة تربية أبنائهم وعدم تحسيسهم بضرورة احترام الآخر، منوهة إلى أن يدا واحدة لا يمكنها ان تصفق لوحدها.
الأخصائيون الاجتماعيون: سلوكيات التنمر مرجعها عوامل نفسية
تقول الأخصائية الاجتماعية جميلة الهادي: “لا تزال السيطرة على ظاهرة التنمر أمراً صعباً رغم العقوبات. بعض الطلبة يعانون مشكلات نفسية تدفعهم إلى التنمر. نسعى دائماً لحل الخلافات ودياً قبل اللجوء إلى العقاب، لما لذلك من تأثير إيجابي طويل المدى.
من جهتها تقول أخصائية ذوي الإعاقة غالية المري”: لم نتمكن من السيطرة على هذا الفعل المشين على الرغم من العقوبات الحازمة، ويحزننا كمعلمات، وكأخصائيات أن نرى طلابنا يقومون بهذا الفعل لإخوانهم الطلاب الآخرين، وخطتنا كأخصائيين ذوي الاعاقة هي أن نتعامل مع أخصائيين اجتماعيين لنردع هذا التنمر وأن نسعى لمعالجة هذا الأمر ودياً قبل العواقب، فهذا يترك انطباعا أفضل في الطالب المتنمر، بسبب أن بعضهم يعانون من مشاكل نفسية تجعلهم يفرغون ألمهم النفسي على فئة ذوي الإعاقة وهو أمر غير مقبول”.
ماذا يقول الخبراء عن هذه الظاهرة؟
تؤكد أخصائية ذوي الإعاقة “سارة الخياط ” أن آثار التنمر تبقى لفترة طويلة وتعيق طلاب ذوي الإعاقة، خاصة وأن إحرازهم لأي تقدم يتم بصعوبة قد يفسده في لحظة تنمر لفظي أو جسدي. وقد يظن البعض بأنهم لا يشعرون أو لا يعلمون، ولكنهم يعلمون بشكل تام وهم حساسون إلى درجة الانطواء الفعلي. والتنمر لا يفسد اللحظة فقط يفسد مشوار طويل من المثابرة والمحاولة، وحينما يرى الطالب بإنه محاط بمن يضرونه، يصبح منعزلاً ويرفض الآخرين، كما يصبح عنيفاً معهم أو منهاراً على حسب حالة الطالب وهو أمر غير إنساني بتاتاً.
يسبب التنمر أضراراً متنوعة فهناك من يصبح بسببه منعزلا وآخرون من يرفضون الذهاب إلى لمدرسة وغيرها، حتى إنه يجعل الأمر عند الطلبة الأخرين وكأنه أمرا عاديا ولا مضرة منه ومضحك كما يرونه، ولكنهم لا يرون كم من ألم يسببون لزملائهم من ذوي الإعاقة ولأهاليهم، والمحزن يكمن في أنهم لا يرونهم جزء مهم من المجتمع فيظنون بإنهم يستطيعون فعل ما يشاؤون اتجاههم.
في السياق ذاته، توضح الدكتورة ريما النصر أخصائية علم النفس التربوي، ” أن غياب الوعي المجتمعي اتجاه ظاهرة التنمر بحقوق الأطفال ذوي الإعاقة يساعد بشكل كبير في انتشار التنمر في المدارس، مما يتطلب حل عاجلاً لحمايتهم فوراً قبل أن يصبح ضرراً أكبر “.
أما الدكتور جمال خليل، استشاري الصحة النفسية في وزارة التربية والتعليم، فيلفت إلى أن “الأثر النفسي للتنمر على طفل من ذوي الإعاقة قد يكون أشد خطورة مقارنة بغيره من الأطفال، نظراً لكثرة المشاعر السلبية لديه منذ الصغر، مما قد يؤدي لاحقًا إلى انعزاله عن المجتمع وفشل في بناء علاقات صحية.”
ويضيف الدكتور خالد العطية، المتخصص في قضايا الطفولة، أن “الحماية القانونية في قطر قوية لحقوق ذوي الإعاقة، ورغم ذلك التعامل مع التنمر في بيئة الأطفال ذوي الإعاقة لا يجب أن يقتصر على العقاب فقط، بل يجب أن يشمل برامج مستدامة لتعزيز ثقافة الاحترام والتنوع داخل المدارس، بدءًا من المناهج الدراسية وحتى الأنشطة الصفية.”
يتضح لنا إذا بأن ظاهرة التنمر ضد الطلبة ذوي الإعاقة هي أفعال نكراء قد تصل حد الجريمة المجتمعية، لا يجب السكوت عنها. كما يتضح لنا بأن المسؤولية مشتركة إذ تقع على عاتق الأسر والمدارس والجهات الرسمية المعنية بحقوق ذوي الإعاقة، ما يتطلب انخراط الجميع بشكل جدي لإيجاد حلول لهذه المشكلة، مع ضرورة إطلاق برامج توعوية داخل المجتمع، وتطبيق قوانين صارمة لا تنازل فيها، وتشجيع وجود الأخصائيين النفسيين وذوي الإعاقة في جميع المدارس.
كذلك، قد يسهم تخصيص حصص لتعليم الطلبة كيفية التعاون ودمج فئة ذوي الإعاقة في محاربة سلوكيات التنمر ضد الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، مع ضرورة تعزيز المراقبة داخل المدارس، ونشر ثقافة احترام الفروقات، وتنظيم نشاطات ترفع الوعي المجتمعي بحقوق ذوي الإعاقة. إن إيصال أصوات ومعاناة الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة واجب أخلاقي قبل أن يكون التزاماً قانونياً، ولن ننجح في ضمان دمجهم الحقيقي في المجتمع إلا بتكاثف جهود الجميع، بدء من الطلبة وأولياء الأمور، مرورا بالمؤسسات المدرسية، وصولا إلى سن النصوص والقوانين التي تحمي هذه الفئة الاجتماعية الهشة.
