يشكّل دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تطرح نفسها بقوة على طاولة النقاش في قطر. فمع تسارع وتيرة التنمية في الدولة، وسعيها لتحقيق أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، بات من الضروري ضمان أن تكون هذه التنمية شاملة لكل فئات المجتمع، دون استثناء. الأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا فقط فئة تحتاج إلى رعاية خاصة، بل هم طاقات كامنة تمتلك من الكفاءة والإمكانات ما يؤهلها للمساهمة بفعالية في عجلة الاقتصاد الوطني.
ورغم أن الدستور القطري وكافة التشريعات المحلية تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز، إلا أن التحديات العملية المتعلقة بدمج ذوي الإعاقة في سوق العمل لا تزال قائمة. من بين هذه التحديات ما يتعلق بالبنية التحتية لبيئات العمل، أو غياب البرامج التأهيلية المتخصصة، بالإضافة إلى التردد الواضح لدى بعض المؤسسات في توظيف هذه الفئة. وعلى الرغم من إطلاق عدد من المبادرات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص، إلا أن النتائج الملموسة لا تزال محدودة مقارنة بطموحات المعنيين بهذا الملف.
كما أن غياب قاعدة بيانات دقيقة حول أعداد ذوي الإعاقة المؤهلين للعمل، وطبيعة إعاقاتهم، يشكّل عائقًا أمام وضع سياسات تشغيل فاعلة. إلى جانب ذلك، يشير العديد من الخبراء إلى أن التعامل مع هذه القضية يتطلب تجاوز الأبعاد التقنية والإجرائية، إلى ما هو أعمق: أي تغيير الثقافة المؤسسية والمجتمعية تجاه ذوي الإعاقة باعتبارهم جزءًا طبيعيًا ومتكاملاً من النسيج المهني والوطني.
ولتسليط الضوء على أبعاد هذه القضية، التقت مجلتنا بعدد من المختصين والمعنيين، وكانت هذه آراؤهم:
سالم ح – باحث اجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة:
“أؤمن بأن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل يجب أن ينبع أولاً من قناعة مجتمعية راسخة، لا أن يُنظر إليه كإجراء يُتخذ فقط من باب الامتثال للتشريعات أو الالتزام بالقوانين. صحيح أننا في دولة قطر نمتلك إطارًا قانونيًا متقدمًا ومنصفًا إلى حد كبير فيما يتعلق بحقوق ذوي الإعاقة، بما في ذلك حقهم في العمل، إلا أن الواقع العملي والتطبيقي لهذا الإطار لا يزال متأرجحًا وغير مستقر. في حين نجد بعض الشركات والمؤسسات تبادر بخطوات جدية ومسؤولة نحو توظيف وتمكين ذوي الإعاقة، إلا أن النسبة الأكبر من الجهات لا تزال تتردد، أو تنظر إلى الموضوع من منظور مالي بحت، متجاهلة البعد الإنساني والاجتماعي، بل وحتى الاقتصادي طويل المدى. فبدلاً من اعتبار توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة استثمارًا في رأس المال البشري والتنمية المستدامة، يُنظر إليه أحيانًا كعبء أو التزام ثقيل، وهذا تصور يحتاج إلى تغيير جذري. نحن بحاجة ماسة إلى حملات توعوية متكاملة، تُصمم بطريقة مدروسة وتستهدف شريحتين أساسيتين: الرأي العام من جهة، وأرباب العمل وصنّاع القرار من جهة أخرى. هذه الحملات يجب ألا تكتفي بالشعارات العامة، بل عليها أن تسلط الضوء على نماذج ناجحة لأشخاص من ذوي الإعاقة أثبتوا جدارتهم في أماكن العمل المختلفة، وأسهموا بشكل فعّال في دفع عجلة الإنتاج. تسليط الضوء على هذه النماذج الملهمة لا يعزز فقط من فرص الدمج، بل يغيّر أيضًا من الصورة النمطية التي ما زالت تلاحق هذه الفئة. نحتاج إلى أن يتحول مفهوم الدمج من كونه “مساعدة” إلى كونه “شراكة”، وأن نفهم أن مجتمعًا لا يحتضن جميع أفراده، بمختلف قدراتهم، هو مجتمع يخسر الكثير من إمكاناته.”
نورة.ه- موظفة في قطاع الموارد البشرية بإحدى الشركات الخاصة:
“البيئة العملية بحاجة إلى إعادة تصميم لتكون شاملة بحق. لا أتحدث فقط عن الممرات والمصاعد، بل عن الأنظمة الداخلية والتواصل والمهام الوظيفية. بعض الزملاء من ذوي الإعاقة قد يبرعون في مجالات مثل تقنية المعلومات أو التصميم، لكننا نفتقر للمرونة في توزيع الأدوار. المؤسسات بحاجة إلى أن تعيد النظر في كيفية صياغة المهام وربطها بقدرات الأفراد. يجب أن تُخصّص ميزانيات لتحسين دمج هذه الفئة، مع تدريب إداريين على فهم احتياجاتهم وتقديم التسهيلات المناسبة. لا يكفي أن نُظهر تعاطفًا، بل علينا أن نحول هذا التعاطف إلى إجراءات ملموسة وخطط مدروسة تؤسس لبيئة عمل عادلة ومتساوية للجميع.”
عبدالله خ – خريج جامعي من ذوي الإعاقة الحركية:
“تخرجت من كلية الإدارة والاقتصاد منذ عامين، وكنت متفائلًا بأنني سأجد فرصة تناسبني، خاصة بعد الجهد الكبير الذي بذلته لأكمل دراستي رغم التحديات الصحية التي أواجهها. لكن الواقع كان محبطًا، بل صادمًا. طرقت أبواب العديد من الشركات والمؤسسات، وكنت أرسل سيرتي الذاتية بثقة. ومع كل مقابلة، كنت أزداد يقينًا بأنني أملك ما يؤهلني. لكن الردود المتكررة كانت تحمل نفس العبارة: ‘نعتذر، بيئة العمل لا تتناسب مع حالتك’. وكأن إعاقتي تُلغي مؤهلاتي. أشعر أحيانًا أن شهادتي لا قيمة لها أمام نظرة المجتمع لإعاقتي. البعض لا يرى فيّ سوى عجز جسدي، متناسين ما أمتلكه من مهارات وخبرات. ما أحتاجه حقًا ليس شفقة، ولا وظيفة يتم منحي إياها لإرضاء ضمير اجتماعي، بل أريد فرصة حقيقية… فقط فرصة لأثبت نفسي، لأُظهر أنني قادر على الإنتاج والتميّز إذا وُضعت في البيئة المناسبة. التعليم أتاح لي أن أحلم، لكن الواقع العملي سد الأبواب. نحتاج إلى جسور حقيقية بين مقاعد الدراسة وسوق العمل، نحتاج إلى حملات تغيير ذهنية، وتوعية حقيقية بأن الإعاقة لا تعني عدم الكفاءة”
نوف م – ناشطة في مجال تمكين ذوي الإعاقة:
“الجهود موجودة، لا أنكر ذلك، وهناك مبادرات جميلة تُقام كل عام، لكن التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذه الجهود وربطها بخطط تشغيل وتطوير مهني واقعية. لا نريد أن نظل عالقين في دوامة الورش والندوات التي تنتهي بانتهاء الفعالية، دون أن يكون لها أثر فعلي على حياة الأفراد المستهدفين. الكثير من الجهات تُنظم فعاليات بعنوان ‘تمكين ذوي الإعاقة’، لكن عندما نبحث في النتائج، نجد أن عدد من تم توظيفهم فعليًا لا يتناسب مع الزخم الإعلامي أو الجهد المبذول. لذلك أدعو إلى إطلاق منصة وطنية مركزية لتوظيف ذوي الإعاقة، تكون بإشراف جهة رسمية وتعمل على الربط المباشر بين الكفاءات وسوق العمل. نحتاج إلى تشريعات أكثر مرونة وحداثة، تشجع القطاع الخاص على توظيف ذوي الإعاقة. ليس فقط من باب الامتثال أو الشكل، بل وفق معايير حقيقية وعملية. تقديم حوافز مالية، مثل تخفيضات ضريبية، أو دعم الرواتب أو تجهيزات التكييف في بيئة العمل، يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا. بهذه الطريقة، لا يشعر أصحاب الأعمال أن الدمج عبء، بل استثمار يعود بالنفع على الجميع كل فرد له الحق في أن يُمنح فرصة، لا على أساس حالته الجسدية، بل بناءً على قدراته الفعلية. إذا أردنا مستقبلًا أكثر عدلًا وإنصافًا، فلا بد أن يكون صوت ذوي الإعاقة حاضرًا في كل غرفة قرار، لا أن يبقى في هامش النقاش”.
د. محمد ا – أستاذ في كلية التربية بجامعة قطر:
“مسألة دمج ذوي الإعاقة ليست مسؤولية وزارة واحدة، بل مسؤولية مجتمعية متكاملة. وزارة التنمية الاجتماعية والعمل قد تكون في الواجهة التنفيذية، لكنها لا تستطيع تحقيق الأثر المنشود دون تعاون حقيقي مع وزارات ومؤسسات أخرى، أبرزها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الأكاديمية. النظام التعليمي له دور محوري في تهيئة الطلبة منذ المراحل الدراسية الأولى، ليس فقط من خلال توفير تعليم متكافئ، بل من خلال بناء ثقافة قبول التنوع واحترام الفروقات الفردية. الإعلام بدوره يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العام. وعلى الجامعات أن تطور برامج تدريب وتوجيه مهني مخصصة لذوي الإعاقة، تكون مصممة بما يتناسب مع قدراتهم واحتياجاتهم، مع وحدات متابعة بعد التخرج تضمن انتقالهم السلس من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.”
مها ع – مستشارة اجتماعية:
“لا يمكن تحقيق الدمج الحقيقي دون إطار وطني شامل يُحدد الأهداف بوضوح ويُراقب التنفيذ على نحو دقيق. ما نحتاجه اليوم ليس فقط جهودًا متفرقة أو مبادرات محدودة، بل خارطة طريق واضحة وشاملة تتشارك في صياغتها جميع الأطراف المعنية: الوزارات والمؤسسات الحكومية، منظمات المجتمع المدني، القطاع الخاص، والأهم من ذلك، الأشخاص ذوو الإعاقة أنفسهم. لا ينبغي أن تكون مشاركتهم رمزية أو شكلية، بل يجب أن تكون حقيقية وفاعلة، لأنهم الأقدر على التعبير عن احتياجاتهم وتحديد أولوياتهم. وجود جهة تنسيقية عليا تُشرف على ملف التوظيف والمتابعة المهنية سيكون خطوة فارقة في هذا المجال، حيث تسهم في تقليص التداخل والازدواجية بين الجهات، وتعمل على ضمان انسجام السياسات وتنفيذها وفق جداول زمنية مدروسة ومؤشرات أداء قابلة للقياس. كما أن البيانات الدقيقة والشفافة ضرورية لرصد التقدم، وبدونها لن نتمكن من تقييم ما إذا كانت الجهود تؤتي ثمارها فعلاً. من المهم كذلك أن ننتقل من مرحلة النوايا الطيبة إلى مرحلة الأرقام الموثقة والنتائج الملموسة، ومن المبادرات الموسمية إلى السياسات المستدامة طويلة المدى. حين يصبح دمج ذوي الإعاقة جزءًا أصيلًا من سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، نكون قد قطعنا خطوة حقيقية نحو العدالة والمساواة. الدمج ليس تفضيلًا، بل حق أصيل ومكوّن جوهري من مكونات المجتمع المنتج والعادل”
سارة م – رائدة أعمال ومؤسسة شركة ناشئة توظف أشخاصًا من ذوي الإعاقة:
“عندما أسست شركتي قبل ثلاث سنوات، كنت مؤمنة بأن التنوع في الفريق هو عنصر قوة وليس عائقًا. بدأت بتوظيف أشخاص من ذوي الإعاقة في أقسام الدعم الفني وخدمة العملاء، ووجدت فيهم التزامًا استثنائيًا، وإصرارًا على إثبات الذات. التحديات كانت موجودة، من تجهيز بيئة العمل إلى تكييف آليات التواصل الداخلي، لكنها ليست مستحيلة. ما يحتاجه أصحاب الأعمال هو تغيير في الذهنية؛ أن يتوقفوا عن سؤال ‘ما الذي لا يستطيع فعله هذا الشخص؟’ ويبدأوا في سؤال ‘ما الذي يمكن أن يقدمه؟’.. أرى أن قطاع ريادة الأعمال يمكن أن يكون لاعبًا محوريًا في تسريع دمج ذوي الإعاقة، خصوصًا إذا حظي بالدعم الفني والمالي المناسب من الدولة. نحتاج إلى صناديق تمويل صغيرة تستهدف مشروعات يقودها أو توظف أشخاصًا من ذوي الإعاقة، مع حملات تعريفية توضح قصص نجاح واقعية. حين نخلق بيئة عمل تحتضن الجميع، نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا نحو التمكين الحقيقي.”
هذا التنوع في الآراء يكشف أن ملف دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل يتطلب معالجة شاملة وتنسيقًا عابرًا للمؤسسات. لا يكفي وجود القوانين وحدها، بل لا بد من تفعيلها على أرض الواقع، وتجاوز العوائق الثقافية والهيكلية عبر رؤية استراتيجية تُؤمن بأن تمكين الإنسان – كل إنسان – هو جوهر التنمية.
إنّ دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل ليس ترفًا اجتماعيًا أو مبادرة رمزية تُطرح من حين لآخر، بل هو ضرورة تنموية ووطنية وإنسانية تمس جوهر العدالة الاجتماعية. لقد أظهرت آراء المشاركين في هذا الاستطلاع أن التحدي لا يكمن فقط في غياب الفرص، بل في البنية الذهنية والثقافية والتنظيمية التي لا تزال بحاجة إلى إعادة تشكيل وتطوير. يتضح أن الطريق نحو الدمج الشامل يبدأ من الاعتراف بحقوق ذوي الإعاقة كأفراد فاعلين، قادرين، ومؤهلين، وليس كحالات استثنائية. ويتطلب ذلك العمل على عدة مستويات متوازية: إصلاح السياسات، تحديث البنية التحتية، تهيئة بيئات العمل، تطوير مناهج التعليم، وتغيير الخطاب الإعلامي. حين يكون هناك التزام جماعي من مؤسسات الدولة والمجتمع والأفراد، مدعوم برؤية واضحة وخطط مستدامة، يمكننا عندها أن ننتقل من مرحلة التوصيات إلى مرحلة التأثير الحقيقي، ومن الاستبعاد غير المقصود إلى المشاركة الكاملة. فالمجتمعات لا تُقاس بقوة اقتصاداتها فقط، بل بقدرتها على احتضان جميع أفرادها دون استثناء.
