في ظل ما يشهده العالم من تطور في مفاهيم حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، تبرز قضية تمكين ذوي الإعاقة كإحدى القضايا المحورية التي تشغل صانعي السياسات في الدول الحديثة. وقد خطت دولة قطر خطوات واسعة في هذا الاتجاه، ساعية إلى تحقيق مجتمع أكثر عدالةً ومساواةً، من خلال توفير فرص عمل لذوي الإعاقة وتمكينهم من المشاركة الفعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
فهل تحققت العدالة الاجتماعية في سوق العمل القطري؟ وهل يجد ذوو الإعاقة فرصًا حقيقية للمشاركة الاقتصادية الفاعلة في ظل رؤية قطر الوطنية 2030؟ إلى أي مدى تساهم القوانين والسياسات الحالية في دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل، وهل يتم تنفيذ هذه السياسات بفاعلية على أرض الواقع؟ وهل تتغير نظرة المجتمع تجاه ذوي الإعاقة لتتحول من الشفقة إلى التمكين؟ هذه التساؤلات باتت تفرض نفسها بإلحاح في ظل تنامي الدعوات لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
تُعد قضية توظيف ذوي الإعاقة من القضايا التي تحظى باهتمام متزايد في قطر، خصوصًا مع التوجهات التنموية التي تضع الإنسان في مركز الاهتمام. وقد أقرت الدولة مجموعة من القوانين الداعمة لحقوق ذوي الإعاقة في العمل، منها قانون الموارد البشرية رقم (15) لسنة 2016، والذي ينص على تخصيص نسبة من الوظائف في المؤسسات الحكومية لذوي الإعاقة. كما تضمّن قانون الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (2) لسنة 2004 العديد من المواد التي تضمن الحق في العمل والتأهيل المهني، وعلى الرغم من هذه الخطوات القانونية، إلا أن التحديات ما زالت قائمة على أرض الواقع. فبحسب بعض الآراء، فإن تطبيق السياسات لا يزال يواجه صعوبات من حيث الالتزام الفعلي من المؤسسات، إضافة إلى وجود فجوة بين تأهيل ذوي الإعاقة ومتطلبات سوق العمل، وتشير مقابلات مع عدد من ذوي الإعاقة إلى أن كثيرًا منهم يواجهون مشكلات في الاندماج المهني، إما بسبب نقص المهارات المناسبة، أو بسبب الحواجز المجتمعية والنفسية، حيث لا يزال البعض يرى في الشخص من ذوي الإعاقة “عبئًا” بدلًا من أن يكون “قيمة مضافة.“
ومن جهة أخرى، يرى عدد من أصحاب العمل أن هناك صعوبات تتعلق بتهيئة بيئة العمل لتكون مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما يتطلب استثمارات قد لا تكون متاحة دائمًا، خاصة في القطاع الخاص. ومع ذلك، هناك نماذج إيجابية بدأت تبرز، حيث قامت بعض الشركات الكبرى في قطر مثل “قطر للبترول” و”الخطوط الجوية القطرية” باتخاذ خطوات حقيقية لتوظيف ذوي الإعاقة وتهيئة بيئة العمل لهم، وتبرز هنا أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني، التي بدأت تملأ الفراغ بين الدولة وسوق العمل، من خلال مبادرات التدريب والتأهيل والتوعية، مثل مبادرة “تمكين” التي تهدف إلى تعزيز قدرات ذوي الإعاقة ورفع كفاءتهم المهنية.
هناك كذلك العديد من النماذج التي تحتذي بها كقطر للبترول والخطوط الجوية القطرية، اذأنه في إطار سعي بعض المؤسسات القطرية الكبرى لتفعيل مبادئ الدمج الوظيفي، تبرز هاتان الشركتان كنموذجين لجهات بدأت تتعامل بجدية مع ملف توظيف ذوي الإعاقة.
فقطر للبترول، بصفتها من أهم المؤسسات الوطنية، أطلقت مبادرات داخلية تهدف إلى توفير بيئة عمل شاملة. وقد حرصت على تعديل بعض مرافقها ومداخلها لتكون مهيأة لاستقبال الموظفين من ذوي الإعاقة الحركية، كما أتاحت فرصًا للتوظيف في وظائف إدارية وفنية تتلاءم مع القدرات الفردية لكل متقدم. ورغم هذه الجهود، أشار بعض الموظفين إلى الحاجة لتوسيع البرامج التدريبية المخصصة لهذه الفئة، بحيث لا يقتصر دورهم على مهام مكتبية محدودة بل يمتد إلى المشاركة في مجالات أكثر تنوعًا.
أما الخطوط الجوية القطرية، فقد اتخذت خطوات لدمج ذوي الإعاقة من خلال وحدات الموارد البشرية المسؤولة عن التوظيف العادل، بالإضافة إلى تهيئة بيئة العمل بتوفير أجهزة وتقنيات مساعدة خاصة للمكفوفين وضعاف السمع، وتخصيص مسارات تنقل داخل بعض المقرات. كما طبّقت الشركة نظام دعم نفسي واجتماعي لموظفيها من ذوي الإعاقة، ما عزز من اندماجهم وزاد من رضاهم الوظيفي. إلا أن بعض التحديات ما تزال قائمة، مثل محدودية الوظائف الميدانية المتاحة، ووجود فجوة في التنسيق بين الإدارات الداخلية حول طبيعة الاحتياجات الخاصة لكل موظف، وبالتالي، فإن هاتين التجربتين تعكسان بداية جدية لخلق بيئة عمل دامجة، لكنهما أيضًا تكشفان عن الحاجة إلى سياسات أعمق وأشمل تضمن استمرارية الدعم، وتنوع فرص التمكين، وتحقيق التكافؤ الكامل. وإن الحديث عن توفير فرص عمل لذوي الإعاقة في قطر لا يمكن اختزاله في الجانب القانوني فقط، بل يتطلب نهجًا متكاملاً يشمل التوعية، والتأهيل، والتمكين، وتغيير النظرة المجتمعية.
نرى كذلك انه يجب تعزيز الرقابة على تنفيذ القوانين من خلال إلزام المؤسسات بتوظيف النسبة المقررة من ذوي الإعاقة، وتقديم حوافز للجهات الملتزمة، دعم برامج التدريب المهني المتخصصة، بما يتوافق مع قدرات ذوي الإعاقة واحتياجات سوق العمل، وذلك بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، تهيئة بيئة العمل لتكون شاملة وآمنة للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال البنية التحتية والتكنولوجيا المساعدة، وإطلاق حملات إعلامية توعوية لتغيير الصورة النمطية وتعزيز ثقافة القبول المجتمعي، وترسيخ فكرة أن الإعاقة ليست حاجزًا أمام الكفاءة، وتمكين منظمات المجتمع المدني وتوفير الدعم المالي والفني لها لتنفيذ برامج تدريبية ومبادرات توظيف مستدامة، ومن خلال هذه التوصيات، يمكن القول إن دولة قطر تمتلك الإرادة السياسية والقانونية الكافية لتحقيق الدمج الكامل لذوي الإعاقة في سوق العمل، لكن يبقى التحدي الأكبر هو تحويل النصوص إلى واقع ملموس، يضمن لهم الكرامة والتمكين والمساواة.
على الرغم مما تحقق هناك العديد من التحديات التي ما زالت تعرقل التوظيف الفعلي، علي الرغم مما يظهر من مبادرات إيجابية وخطوات رسمية في مؤسسات كبرى، فإن هناك من يرى أن الواقع لا يزال بعيدًا عن طموحات ذوي الإعاقة. تشير شهادات بعض الباحثين عن عمل من هذه الفئة إلى أن التوظيف غالبًا ما يتم بشكل “رمزي” أو لتلبية المتطلبات القانونية فقط، دون منحهم أدوارًا حقيقية أو مؤثرة داخل بيئة العمل، وتُظهر بعض الإحصاءات الميدانية أن نسبة كبيرة من ذوي الإعاقة ما زالوا يعانون من البطالة، ليس فقط بسبب الإعاقة نفسها، بل بسبب ضعف الاستعداد المؤسسي لاستقبالهم، وانخفاض الوعي لدى أرباب العمل حول قدراتهم الفعلية. وقد عبّر بعضهم عن شعورهم بالتهميش في مراحل التوظيف، حيث يتم استبعادهم من المنافسة منذ البداية دون اعتبار لمهاراتهم أو مؤهلاتهم.
على النقيض من ذلك هناك بعض الشركات في القطاع الخاص، لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية والتقنيات التي تمكّن ذوي الإعاقة من العمل بكفاءة، ناهيك عن غياب برامج دعم نفسي أو تدريبي مستدام. ويرى منتقدون أن القوانين وحدها لا تكفي، وأن غياب المتابعة والمساءلة يضعف تأثير تلك النصوص على أرض الواقع، وهو ما يظهر لنا وجود فجوة بين الطموح والتنفيذ، ما يؤكد أن الطريق نحو الدمج الكامل ما زال يتطلب كثيرًا من العمل، لا سيما في مجال تغيير الثقافة المؤسسية والمجتمعية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة.
العنود الدوسري
