قطر.. نموذجٌ رائد في دعم وتمكين ذوي الإعاقة بين الرؤية والتنفيذ

في ركنٍ من هذا العالم، حيث تسابق الأمم الزمنَ للحاق بركب الحضارة، ثمة دول لا تُقاس عظمتها بمساحتها الجغرافية، بل بمدى إنسانيتها وقدرتها على احتضان جميع أفرادها، دون أن يُترك أحدٌ في الهامش. ومن بين تلك الدول، تبرز قطر نموذجًا رائدًا في دعم وتمكين ذوي الإعاقة، لا بوصفه شعارًا يتزين به الخطاب الرسمي، بل بوصفه واقعًا نابضًا بالحياة، تُجسّده السياسات والممارسات والمؤسسات التي تُشرع أبوابها أمام الجميع دون تمييز. 

وليس غريبًا أن تُولي قطر هذا الاهتمام الكبير بذوي الإعاقة، فالقيم الإسلامية والمبادئ الإنسانية التي تقوم عليها رؤيتها التنموية تجعل من العدالة والمساواة ركنين أساسيين في بنيانها الاجتماعي. وفي هذا الإطار، عملت الدولة على تطوير منظومة متكاملة تُعزّز إدماج هذه الفئة في مختلف مجالات الحياة، بدءًا من التعليم، مرورًا بالتوظيف والصحة، وانتهاءً بالأنشطة الثقافية والرياضية، بحيث يصبح المجتمع أكثر تكاملًا، وحيث لا تكون الإعاقة عائقًا أمام الطموح والإبداع. 

انطلقت الرحلة منذ إصدار قانون رقم (2) لسنة 2004، الذي كسر الحواجز القانونية بضمان الحقوق التعليمية والمهنية، ثم تعززت بالإطار التشريعي الأكثر صرامة في القانون رقم (17) لسنة 2020، الذي حوَّل الإتاحة من خيار إلى التزام، مع فرض غرامات على التمييز. ووفقًا لوزارة التنمية الإدارية، فإن 100% من المشاريع الحكومية الجديدة تطبق معايير الوصول الشامل، وهو ما تجسد في مطار حمد الدولي ومترو الدوحة، حيث تُترجم لغة برايل تفاصيل كل رحلة، وتتكيف المنحدرات مع أدق احتياجات الكراسي المتحركة.

أما على الصعيد التعليمي، فتُعَدُّ قطر من الدول القليلة التي تتبنى نموذج التعليم الدامج، حيث تُدمج المدارس الطلاب ذوي الإعاقة جنبًا إلى جنب مع أقرانهم، في بيئة توفر لهم الدعم اللازم دون أن تعزلهم عن المجتمع. كما أنشأت مراكز متخصصة مثل مركز الشفلح، الذي يُقدِّم خدمات تعليمية وتأهيلية متقدمة، ليكون بوابة نحو مستقبل أكثر استقلالية لهؤلاء الأطفال والشباب. وقد أثبتت هذه الجهود نجاحها من خلال ارتفاع نسب التحاق ذوي الإعاقة بالمؤسسات التعليمية، وانخراطهم في سوق العمل لاحقًا. 

ولم تكتفِ الدولة بفتح أبواب المدارس، بل أعادت تصميمها؛ فبموجب استراتيجية قطاع الشؤون الاجتماعية (2021 – 2025)، تم دمج 70% من الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس العامة، بينما توفر “أكاديمية التربية الخاصة” برامج فردية للتوحد، و”مدرسة الأمل للصم” تدمج لغة الإشارة في المناهج.

أما في القطاع الصحي، فقد حرصت الدولة على تقديم خدمات طبية شاملة لذوي الإعاقة، سواء من خلال المستشفيات العامة أو المراكز المتخصصة. فبرامج الكشف المبكر، وخدمات التأهيل، وتوفير الأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة، كلها جزءٌ من استراتيجية صحية تضمن حياةً أكثر جودة لهذه الفئة. 

وفيما يخص التوظيف، فقد وضعت قطر سياسات تُشجّع على دمج ذوي الإعاقة في بيئات العمل المختلفة، حيث بات العديد منهم يشغلون مناصب في القطاعين الحكومي والخاص، ضمن رؤية تؤمن بأن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الحواجز الاجتماعية التي يمكن تجاوزها عبر التمكين والدعم.

والجدير بالذكر أن التمكين في قطر في سياق التوظيف والدعم ليس محليًّا فحسب، بل امتدادٌ لإرث إنساني. فقد خصصت الدولة 15% من مساعداتها التنموية لمشاريع الإعاقة (2020 – 2023)، وفقًا للبنك الدولي، بما في ذلك تمويل مراكز تأهيل في اليمن والسودان، كما دعمت إنشاء “مركز الأمم المتحدة للتواصل المعني بالإعاقة” في الدوحة، وساهمت في صياغة “إعلان الدوحة للإعاقة” الذي حوّل السياسات إلى التزامات مالية دولية. أما “جائزة الشيخ تميم بن حمد العالمية للإعاقة”، فباتت منصةً لتكريم مبادرات كزراعة الأطراف بتكلفة رمزية في كينيا، ودمج اللاجئين ذوي الإعاقة في السويد.

بالإضافة إلى ذلك، تُولي قطر اهتمامًا خاصًا بالنساء ذوات الإعاقة، حيث تعمل على توفير التعليم والخدمات الصحية وتكافؤ الفرص في العمل، مع إصدار القوانين واللوائح التي تحمي حقوقهن وتُعزِّز مشاركتهن في مختلف المجالات.

ولم تغفل الدولة عن البُعد الثقافي والرياضي، فمع بطولة كأس العالم 2022، قدّمت قطر نموذجًا فريدًا في إمكانية جعل الأحداث الرياضية الكبرى شاملة للجميع. فالملاعب كانت مجهزة بالكامل لاستقبال ذوي الإعاقة، وتم توفير تقنيات حديثة تُمكّن المكفوفين من متابعة المباريات عبر الوصف السمعي، فيما لعب الشاب القطري غانم المفتاح، وهو من ذوي الإعاقة، دورًا بارزًا في حفل الافتتاح، ليُقدِّم للعالم صورةً مُلهمة عن الإرادة والتحدي. 

فيما حوّلت بطولة العالم لألعاب القوى البارالمبية 2023 أنظار العالم إلى أبطال مثل عبد الرحمن عبد المقصود، أول لاعب كرة قدم كفيف يحترف محليًّا. ولم تتوقف القيادة عند الحدود، فإطلاق “التحالف العالمي للرياضة التكيفية” مع اللجنة البارالمبية الدولية هدف إلى تدريب 10 آلاف مدرب في الدول النامية.

إن الحديث عن قطر كنموذج رائد في دعم وتمكين ذوي الإعاقة لا ينطلق من مجاملة أو انبهار عابر، بل من شواهد واقعية تُثبت أن هذه الدولة تسير بخطى واثقة نحو بناء مجتمع أكثر احتواءً وعدالة. ففي قطر، لا يُنظر إلى ذوي الإعاقة بوصفهم فئة تحتاج إلى الشفقة أو المساعدة المؤقتة، بل هم أفراد قادرون على العطاء، متى ما أُتيحت لهم الفرص والدعم اللازم. 

 وبذلك لا تقدم قطر دروسًا في التمكين فحسب، بل تُعيد تعريف دور الدول في صناعة الأمل. فالجمع بين التشريعات الصارمة، والاستثمار في التكنولوجيا، والريادة الرياضية، والشراكات العالمية، يخلق نموذجًا لا يُقاس بعدد المباني المُهيأة، بل بعدد الأحلام التي حوّلها إلى واقع.

ويبقى التحدي الأكبر الآن في ضمان أن تصبح قصة النجاح القطرية إلهامًا لكل مجتمعٍ يؤمن بأن الإعاقة ليست سوى بداية لصناعة المعجزات.

وأخيرا، ربما لا يكون العالم المثالي الذي تتحقق فيه المساواة المطلقة قد وُجد بعد، ولكن في كل خطوة تخطوها قطر نحو تمكين ذوي الإعاقة، يتأكد لنا أن الطريق نحو هذا العالم ليس مستحيلًا، بل يبدأ بإرادة صادقة، ورؤية تؤمن بأن كل إنسان يستحق فرصة عادلة للحياة.

  • موزة عبدالله حسن المفتاح